أبريل 03، 2018

أحمد خالد توفيق يكتب: المقال الأول من السماء!


مرحباً بكم أيها الأصدقاء الأعزاء. تعودنا أن نتقابل لنتحاكى وتسمعون مني وأسمع منكم، وها أنا أعود من جديد لعادتي القديمة، لكن هذه المرة أحاوركم من مكان مختلف، لكن هذه التفاصيل الصغيرة غير مهمة بين الأصدقاء.. أليس كذلك؟
أرى هنا بعض الوجوه الجديدة. طبعا ألقت بكم هاشتاجات السوشيال ميديا التي تردد فيها اسمي بلا انقطاع في الأونة الأخيرة بسبب وفاتي.. حسنا اذا كنتم من مواليد أواخر التسعينات فأنتم من الجيل الذي هرب مني الى محيط الأنترنت والتابلت وهذه الأشياء التي لا أفقه كنهها جدا. وإذا كنتم بعمر الأربعينات والخمسينات فأنتم أيضاً لن تعرفونني.

حسنا.. لا وقت هنا للتعارف من جديد، ولا فائدة أيضا، فأنا كما ترون يا أصدقائي أعيش أول ليلة لي في ما تدعونه القبر. وهو ليس مكانا مفضلاً للأقامة كما تلاحظون.. أرجو من الشاب الذي يتسلى بالتمعن في جماجم الموتى بعدم الاستمرار.... هم أيضاً لهم حرمة، ولن نترك تفصيلة صغيرة مثل أنهم لا يملكون جلودا على وجوههم تنغص زيارتكم المؤقتة لي. فأنتم في دار فناء وأنا في دار الخلود. ومهما طالت أقامتكم لن تمكثون معي ها هنا الى الابد.

يجب في البداية أن اشكر كل من حضر جنازتي وسار وراء نعشي. كنت أود أن أخرج من الصندوق لأصافحكم واحدا تلو الأخر، لولا خشيتي من الهلع الذي سيصيبكم اذا حدث هذا الأمر على بوابة مسجد السلام حيث صليتم الجنازة على روحي. لاحظت طبعا هؤلاء المتصنعين الذين يحاولون لفت الانتباه للظهور في صور الصحافة. ولاحظت أيضا المصورين والمحاورين الذين لا هم لهم سوى التقاط الصور او عمل التقارير.. أعتقد أنكم الأن تعرفون أن الدنيا لا تستحق كل هذا العناء؟ كنت أعتقد أن الموت خير واعظ لكن من الواضح أن البعض لا يصدق إلا إذا جرب.

أما الأمر الثاني الذي أود الحديث معكم فيه، فهو فكرة الموت. أعتقد يا أحبائي أن الموت هو أن تزول ذكراي عن أذهانكم. في هذه الحالة يمكنني التأكيد أنني حي أكثر من العديد من الأشخاص الذين ضاعوا في غياهب النسيان وهم أحياء. ناهيك عن أن أظل حياً ويتم تصنيفي ككاتب عجوز وقح لم يعد لديه ما يكتبه لكنه يستمر في الكتابة ليضمن لأولاده مستقبلا أفضل وليدفع وقود السيارة الذي يقارب من الوصول لرقم هاتفي المحمول! أعتقد أن الموت بكرامة أفضل من الاستمرار في هكذا حياة.

أيضا أحمد الله الذي وهبني ميتة سريعة نظيفة كما يقولون في الغرب.. لم أعد أنسى أسماء الأولاد أو أسقط الطعام على ملابسي أو أبلل الملاءة ليلا - تفهمون قصدي- بل وهبني الله أيضا قلما كتبت به تاريخ وفاتي والصلاة علي قبل الواقعة بسبعة أعوام، وأراهن أن بعضكم قد بدأ معاملتي كأصحاب الخطوة والحظوة، وهذا أمر خطير لو كنتم تعلمون. ولا أحبه.

أسمع شابا هناك يسألني بتوتر: اذن ماذا تريد أيها العجوز؟ صبرا يا فتى فقد صرت الأن ميتاً وليس على الميت حرج إن كنت تفهم قصدي. كل ما أريده هو أن تستمروا في حياتكم اليومية. وأن تتعلموا كيف تتركون بصمة فوية مؤثرة في من حولكم. فها هو العجوز أحمد خالد توفيق الذي قضى وقتا يسيرا من عمره في الكتابة، استطاع التأثير في جيل كامل. وخلق معهم عبر الأوراق صداقة جعلت مكانته في القلوب كما رأيت اليوم. فما الذي ينقص كل منكم ليكون أحمد خالد توفيق القادم؟ أنتم تملكون أدوات أفضل ولا ينقصكم سوى بعض التروي والصبر والتعلم من الأخطاء و(المعافرة) اذا شئتم الدقة.

وأخيرا أوصيكم ألا تبالغون في الحزن علي.. وإن حضرتم العزاء ألا تتعالي أصواتكم بالنحيب والبكاء. فلتقرأوا علي ما تيسر من القرأن وتدعوا لي بجميل الدعاء وهذا كافي جدا... يمكنكم الانصراف الأن فقد لمحت بعض الفتيات ينظرن في ساعة هواتفهن المحمولة يستعجلن الرحيل. الحي أبقى من الميت يا فتاة فلا تخجلي.

أما أنا فأستمحيكم عذرا بالخلود للراحة قليلا، في محاولة لفهم الواقع الجديد الذي أصبحت فيه. إن هذه الأمور ليست بسيطة كما تبدو. لكن في النهاية أنا هنا أكثر راحة وأهدأ بالاً، وإن كانت رؤيتكم تنقصني فإلى لقاء قريب بإذن الله تعالى.

أ.خ.ت
الليلة الأولى في مقابر العائلة.

أحمد خالد توفيق.. الغريب الذي تنبأ بموعد وفاته باليوم والشهر!


الكتابة عن أحمد خالد توفيق من أصعب الأمور اللي الواحد ممكن يعملها في حياته. يمكن لأن الكتابة بتكون أسهل عن أحداث وأشخاص بعيدة عننا. لكن لما نكتب عن أشخاص عيشنا معاها وأتأثرنا بيها، بيكون الدخول في عالمها أشبه بالدخول في حقل ألغام مانعرفش أمتى ممكن ينفجر فينا اللغم أو أزاي. ماتقدرش تميز بين ما هو شخصي وما هو عام، وما يمكن الحديث عنه وما يجب كتمانه كأخبار وأحداث شخصية حصلت بيننا وبين اللي بنكتب عنه.