الممثل العبقرى من وجهة نظرى , ليس ذلك الذى يستطيع أن يترجم كلمات السيناريو الصماء الى تعبيرات ومشاعر وأحاسيس تنتقل للمشاهد بعفوية وسلاسة .. هذه القدرة – وإن كانت صعبة ولا يجيدها كل الممثلين

– إلا أننى أعتبرها ركنا أساسيا من أساسيات عمل الممثل , أما العبقرية الحقيقية فتكمن فى قدرة الممثل على خلق جو من (الكاريزما) حول الشخصية التى يقوم بادائها , جو عام ينقلها من مجرد شخصية فى سطور مؤلف ماهر أو سيناريست محترف إلى حياة كاملة , تحتل وجدانك كمشاهد منذ اللحظة الأولى وحتى اللحظة الأخيرة للفيلم ..
هذه الكاريزما التى كانت تشع من أحمد زكى أثناء أداؤه دور (حازم) ظابط شرطة الأداب والذى يسعى للإيقاع بشبكة دعارة كبيرة يقودها رجل أعمال غامض يدعى (جو) قام بأداء دورة محمود حميدة فى واحد من أروع أدوارة .. مع خلفية لحياة حازم الشخصية المفككة و زواجه المتداعى الى درجة الإنهيار والأب دائم الإنتقاد لتصرفات إبنه .
وكعادة أفلام أحمد زكى , يخرج بنا الإطارالعام للفيلم من مجرد قصة ظابط شرطة يسعى للإيقاع بمجرم ذكى إلى أفاق أبعد بكثير من القضية الأساسية للفيلم , حيث يلقى الفيلم بظلال شديدة القتامه على محاولة الإنسان الدائمة لتحقيق العدالة على الأرض فى أكمل صورها وإبطال فعل الشيطان , مع وجود معوقات عديدة لهذا الهدف النبيل بداية من المعوقات التى تصدر من البشر أنفسهم ممثلة فى رئيس حازم فى العمل , أو حتى من خلال تدخل الشيطان نفسه لإيقاف تنفيذ العدالة , وتمثل ذلك فى دور (جو) نفسه ... حتى لاحظ ملابسة التى لا تخرج عن نطاق البالطو الاسود على بذله حمراء كلهيب الليل ...
على الهامش من هذا العالم القاتم , هناك علاقة الحب التى تنشأ بين ظابط الأداب وبين (سارة) .. الفتاة –التى قامت بدورها المطربة منى عبد الغنى- التى كان حازم يسعى للتقرب منها فى البداية من أجل زرع جاسوس وسط مجتمع (جو) , ومن ثم تحولت علاقة المصالح لعلاقة حب بعد أن يكتشف أن سارة لا تعلم حقيقة ما يحدث حولها , وقد اغراها جو ببريق حياة الحرية والإنطلاق وممارسة هوايتها فى الغناء .
الفيلم فى مجملة لا يروج لنظرية الـ Super hero .. أنت طوال الوقت تجد شخصيات عادية للغايه قد تصادفها بالفعل فى حياتك .. فظابط الشرطة يعانى حياة مفككة ويظهر فى معظم لقطات الفيلم بنفسية مكتئبة وذقن غير مهذبة , ويفشل دوما فى التوفيق بين عملة وحياته الخاصة مما يكلفة زواجه المستقر ويجعلة دوما فى حالة تحدى دائم لكل من حولة بداية من رؤساءه فى العمل مرورا بوالده فإذا لم يجد من يتحداه , تحدى نفسه شخصيا من خلال سعيه الدائم للسير عكس الإتجاه بالسرعة القصوى بسيارته على الطريق الصحرواى , وحساب الزمن فى كل مره أملا فى التفوق على نفسه كل مره !
حتى (ٍسارة) المطربة الرقيقة لا تظهر كما عودتنا الأفلام كنجمة متألقه لا تلقى فشلا فى حياتها بل على العكس تظهر بشخصية مضطربه تائهة بين براءة شخصيتها التى تسقطها كثيرا فى براثن من يستغلها دون أن تعلم , ويلاقى ألبومها الأول فشلا زريعا فى سوق الكاسيت , حتى أنها تسعد للغاية – كحال الفنانين المغمورين - عندما يخبرها حازم أنه إشترى أول ألبوماتها وأعجبته أغنياته .
وعلى هامش الأحداث نجد الكثير من القصص الهامشية الأخرى , هناك عامل البار (أشرف عبد الباقى) صاحب الشخصية المتناقضة بين شخصية الشاب الـ(روش طحن) وشخصية الشاب الذى يسعى للخروج من حياة الليل الكاحل الى النهار المشرق , من خلال إعتزال العمل هو وفتاته كمحاوله منه للخروج من تأثير البار الذى يديره (جو) , أيضا هناك ظابط الشرطة البدين (ممدوح وافى) والذى يريد أن يقصر علاقته بعمله على مجرد تأدية وظيفته دون محاولة التورط فى أى مشكلات مع رؤسائه , وهو الى درجه بعيده يعتبر نقيض البطل أو Anti hero من الناحية الشكليه يبدو اقل وسامه وأكثر بدانة , حتى من الناحية الإجتماعية نجده إستطاع تكوين حياة أسرية قد لا تتصف بالهدوء إلا أنها فى إجمالها مستقرة ...
بالتأكيد تحتل المقابلة الأولى بين (جو) و (حازم) جزءا هاما فى الفيلم , فهى من الناحية الدرامية تمثل اللقاء بين رمز الخير والشر فى الفيلم , فهاهو ظابط الشرطه يلتقى أخيرا بالقواد , والذى يعرض عليه رشوه مقابل التغاضى عن أعماله , أما من الناحية الإسقاطية فاللقاء بين الإثنين يمثل اللقاء بين الخير والشر .. بين الإنسان وشيطانه , ومحاولة الشيطان الوسوسة للإنسان وإغراءه مقابل بيع مبادئة
طوال الفيلم لا يكل حازم من محاولة الإيقاع بـ(جو) , وكل مره يفلت هذا الأخير من خلال إستخدام ثغرات القانون لصالحة , الأمر الذى يجعل حازم كافرا بعدالة القانون شاعرا بمدى التقصير فى مواده التى تعطى الثغرة تلو الاخرى لـ(جو) للإفلات من مصيدة العدالة , و هذا الخيط يعتبر إسقاطا على أن الإنسان كثيرا ما يمل من تأخر عدالة السماء ويشعر بالسخط من البطء فى التنفيذ , ويظهر والد حازم (الشرطى السابق والمؤمن بضرورة تحقق العدالة فى النهاية) فى صورة الموجه لتصرفات إبنه الهوجاء والمحاولة لإمتصاص غضبه والملقيه عليه باللوم على طول الخط ...
تتلاطم الأحداث كموج البحر حتى يحصل حازم على إجازه من عمله ويتفرغ لمراقبة جو والتصنت على مكالماته , حتى يستطيع معرفة نيته إقامة حفل على يخت عائم فى النيل , سيقوم من خلاله برشوة أفراد مهمين بالنساء لتسهيل اعماله المخالفه للقانون ..
وبعد مطاردة دامية إستطاع المخرج طارق العريان تنفيذها ببراعه مقارنة بإمكانيات هذا الزمن , يقفز حازم وصديقه من أعلى الكوبرى ساقطين على اليخت المتحرك فى النيل مخاطرين بحياتهم , ويلقون القبض على جو وفتياته متلبسين , وهم فى أحضان عشاقهن ... ويتم إقتياد الجميع للتحقيق معهم فيما يبدو أنه نهاية سعيدة طال إنتظارها طوال هذه الأحداث القاتمة ...
إلا أن المشاهد يذهل عندما نجد أن جو وفتياته يخرجون من المأزق كالشعرة من العجين بفضل بطلان إجراءات الظبط والتحرى وعدم صدور أمر من النيابه بمهاجمة اليخت العائم ...
" دايما هيفضل فى شعرة بين العدل والظلم .. علشان كده جرت القاعدة إننا نقول إن تبرئة ألف مجرم أفضل بكتير من تجريم برىء واحد ... هو ده الغرض النهائى من العداله "
بهذه الكلمات يحاول والد حازم تهدئته وعدم الثورة على تصرفاته , ربما للمرة الأولى والأخيرة فى الفيلم ... لكن هل يقتنع حازم – أو حتى المشاهد – بأن تأخر تحقيق العدالة الى هذا الحد قد يكون فى مصلحة أى برىء ؟ بالطبع لا .. هكذا يتجه حازم الى حيث الملهى الليلى الذى يديره جو .. ويبدأ فى تخريب وتكسير كل شىء , وتوجيه لكمه قويه لـ(جو) فيما يبدو إسقاطا واضحا على ضرورة أن يقاوم الإنسان شيطانه حتى اللحظة الأخيرة حتى وإن تأخر تحقيق العدالة وإن لم يحقق النصر الكامل ...
ومع نهاية الليالى الحالكه والصراع الدامى , نخرج من حالة الغيظ المكبوت والصراع بين قوى الخير والشر لمشاهد واسعه تم إستخدام الإضاءة الطبيعية لنور الصباح فيها , لنكتشف أن 98% من أحداث الفيلم كانت تدور فى الليل والإضاءة الصناعية الخافته .. وأكاد أجزم أن كل من شاهد الفيلم شعر بالراحه النفسيه وكإن عبئا خفيا إنزاح عن كاهله فى الإنتقال إلى مشاهد نهاريه مشمسه , خصوصا إذا صاحبها صوت منى عبد الغنى فى واحده من أروع أغانيها – إن لم تكن الأروع على الإطلاق – وهى أغنية (لحظة صفا) ..
يمكنك الإستماع لها على يوتيوب من هنا , مع مشاهد لحياة حازم وقد عادت لإنتظامها من جديد , وظهر أحمد زكى – ربما للمرة الاولى طوال احداث الفيلم – بذقن حليقه ووجه متألق .. مع إشارات متعدده لتعمق علاقته بالمطربه سارة ... وتنزل تيترات الفيلم يصاحبها أغنية منى عبد الغنى , والتى أتوقع ان تفقد حوالى 60% من جاذبيتها بالنسبة لهؤلاء الذين لم يشاهدوها فى إطار فيلم الباشا لأحمد زكى ومحمود حميدة ومنى عبد الغنى وإخراج طارق العريان ... هذا الفيلم الذى و بالرغم من مرور سنوات عده على إنتاجه , ووفاة أحمد زكى وممدوح وافى بطلى الفيلم , إلا أنه لايزال يؤثر فى نفسية كل من يشاهده سواء فكر فيه بشكل سطحى كمطارده بين ظابط وقواد أو كفيلم يحلل المفهوم العميق للنفس البشرية ومفهوم العداله .